ليست كل المدن تُحفظ في الخرائط… بعضها يعيش في الذاكرة.
في إحدى صباحات الشتاء الهادئة، في مدينة تبوك، وُلد أنس. الطفل الذي لم يكن يعلم أن الحياة كانت، منذ يومه الأول، تنسج له ذاكرةً أكبر من عمره؛ تحفظ رائحة البيوت، ودفء الموائد، وأصوات الجيران، وطرقات الأبواب، والأزقّة التي ركض فيها صغيراً، والتي لم تتوقف يوماً عن الركض داخله.
كانت الحارة آنذاك أكبر من أن تكون شارعاً واحداً؛ لقد كانت بيتاً واحداً، قُسِّمت جدرانه إلى عائلات. ولم تكن البيوت تتعارف بأسمائها، بل بما يخرج من مطابخها. وما إن تسمع إحدى الأمهات أن جارةً جديدة قد سكنت الحي، حتى تكون أول كلماتها: «يلا .. نرسل لهم طبق».
قد يظن القارئ، وهو يفتح صفحات هذا الكتاب، أنه مقبلٌ على كتابٍ لوصفات الطعام. لكنه في الحقيقة مقبلٌ على شيءٍ لا يمكن أن تُكتب مقاديره: فالطبق باب، والرائحة طريق، والبيت ذاكرة، والإنسان هو الحكاية كلها.
ولهذا، فإن «خوص» ليس كتاباً عن الطعام، ولا عن الذاكرة وحدها. إنه كتابٌ عن الإنسان السعودي في لحظاته الصغيرة؛ تلك اللحظات التي مرّت بهدوء حتى حسبناها عادية، بينما كانت، في صمتها، تنسج هوية مجتمعٍ كامل.
طفل الحارة الذي كان يطرق أبوابكم حاملاً بين يديه صحناً دافئاً. كبر، لكنه لم يكبر بما يكفي لينسى.
اللواتي كانت أول كلماتهنّ لكل جارة جديدة: «يلا .. نرسل لهم طبق». ورسائلهنّ الصغيرة لا تُكتب، لكنها تُفهم دائماً.
سعاة البريد الصغار. ظنّوا أنهم يؤدون مهمةً عابرة، بينما كانوا يحيكون بخطواتهم خيوط الأُلفة بين القلوب.
«فالطبق باب، والرائحة طريق، والبيت ذاكرة، والإنسان هو الحكاية كلها.»
«لم تكن البيوت تتعارف بأسمائها، بل بما يخرج من مطابخها.»
«ومع آخر تنهيدةٍ من الذكرى، ندرك أن بعض الأيام لم تكن جميلة لأنها مضت، بل لأنها كانت صادقة، ولذلك بقيت.»
«عدتُ إليكم اليوم.. بعد أعوامٍ طويلة من آخر طرقةٍ على أبوابكم. عدتُ وليس في يدي هذه المرة صحنٌ دافئ، بل في يدي كتاب!»





ظلّت تركض أعواماً طويلة، حتى تحوّلت خطواتها إلى كلمات، وروائحها إلى حكايات، ودفء موائدها إلى شعورٍ يسكن الصفحات. ولهذا، لم يجد أنس اسماً يحتضن كل تلك المشاعر سوى «خوص».
وكل ذكرى محاولة لفهم الإنسان الذي عاشها، قبل أن تكون محاولةً لتوثيق ما كان يضعه على مائدته. فالأطباق يمكن أن تُطهى مرةً أخرى، أما الجارة التي صنعت الذكرى، فلا.
عاد أنس إلى الأبواب التي أُغلقت منذ أعوام، لا ليعبر العتبة ثم يمضي، بل ليترك عندها كتاباً: «كتابٌ جمع بين صفحاته ما تبقّى منكم في قلبي؛ حكاياتكم، وروائح مطابخكم، ودفء موائدكم، والأثر الجميل الذي تركتموه في طفلٍ كان يظن أن تلك الأيام لن تنتهي أبداً.»
طفل شارعكم / أنس.
صفحات مختارة من النسخة الأولى — اقلب الصفحة كما تقلب كتاباً بين يديك.
النسخة الأولى قيد التجهيز. اطلبها الآن، وتصلك فور توفّرها.
ملف PDF أنيق يصلك فور الإطلاق، للقراءة على أي جهاز.
غلاف ورقي وورق شمواه دافئ، تُشحن إلى بابك.
نسخة ورقية بتوقيع وإهداء شخصي بخط اليد.